فصل: مسألة الرجل يسلس بوله فلا ينقطع عنه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



ومن كتاب أوله يسلف في المتاع والحيوان المضمون:

.مسألة في البير تقع فيها الفارة فيصرف ماؤها في طعام يصنع به:

وسئل مالك عن بئر وقعت فيه فارة فبلوا بمائها قمحا فقلوه، أترى أن يؤكل؟ فقال مالك: لا يأكلون الميتة.
قال محمد بن رشد: شدد مالك رَحِمَهُ اللَّهُ في هذه الرواية في أكل القمح المبلول بالماء الذي ماتت فيه الفارة وجعل ذلك كالميتة، فإن كان فهم من سؤال السائل أن الماء كان قد تغير لونه أو طعمه من ذلك أو رائحته على الاختلاف في مراعاة تغير الرائحة فلا إشكال ولا اختلاف في أنه كالميتة لا يحل منه إلا ما يحل من الميتة؛ وإن كان أجاب على أنه لم يتغير من ذلك، فوجه قوله أنه حمله على النجاسة في المنع من أكله ابتداء على سبيل التوقي والتحرز من المتشابه، كما منع من الوضوء به ابتداء، وقال: إنه يتيمم ويتركه، وإن كان لا يراه نجسا على الحقيقة، كأنه يقول: إن توضأ به وصلى لا يعيد إلا في الوقت. وفي رسم النذر والجنائز والذبائح ورسم الوضوء والجهاد من سماع أشهب، وفي سماع موسى بن معاوية في الخبز المعجون بمثل هذا الماء أنه لا يؤكل، وهذا وجه القول فيه. وفي غسل اللحم المطبوخ به اختلاف من رواية أشهب ورواية موسى عن ابن القاسم، وسنتكلم على ذلك إذا مررنا به إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق.

.مسألة في الغسل في الفضاء:

وسئل مالك عن الغسل في الفضاء، فقال: لا بأس بذلك.
فقيل له: يا أبا عبد الله إن فيه حديثا، فأنكر ذلك وقال تعجبا: ألا يغسل الرجل في الفضاء، ورأيته يتعجب من الحديث إنكارا له.
قال محمد بن رشد: وجه إجازة مالك رَحِمَهُ اللَّهُ للرجل أن يغتسل في الفضاء إذا أمن أن يمر به أحد هو أن الشرع إنما قرر وجوب ستر العورة عن المخلوقين من بني آدم دون من سواهم من الملائكة؛ إذ لا تفارقه الحفظة الموكلون عليه منهم في حال من الأحوال. قال الله عز وجل: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]، وقال: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ} [الانفطار: 10] {كِرَامًا كَاتِبِينَ} [الانفطار: 11] {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 12]. ولهذا قال مالك تعجبا: ألا يغتسل الرجل في الفضاء؟ إذ لا فرق في حق الملائكة بين الفضاء وغيره، وأنكر الحديث لما كان مخالفا للأصول؛ لأن الحديث إذا كان مخالفا للأصول فإنكاره واجب إلا أن يرد من وجه صحيح لا مطعن فيه فيرد إليها بالتأويل الصحيح. وقد روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا حدثتم عني حديثا تنكرونه ولا تعرفونه فكذبوا به فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف». ويكره التجرد لغير ضرورة ولا حاجة في الفضاء وغير الفضاء، ففي رسالة مالك إلى هارون: إياك والتجرد خاليا فإنه ينبغي لك أن تستحي من الله إذا خلوت، وذكر في ذلك عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديثا.

.مسألة في حكم طهارة الأزقة والطرق:

وسئل عن طين المطر والماء الذي لا يستطاع أن يتخلص من أذاه يصيب الثياب من مشي الدابة أو غيرها، قال: أرى أن يكون الناس من ذلك في سعة.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة، وزاد فيها: وإن كان فيه أبوال الدواب وأرواثها، يريد ما لم يكن غالبا أو عينا قائمة، وهو كما قال رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لأن الله قد وسع على هذه الأمة ورفع عنهم الحرج في دينهم، فقال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه»، ومثل هذا المعنى في الآثار كثير، وبالله التوفيق.

.مسألة في مسح الرأس بفضل ماء اللحية أو الذراعين:

وسئل مالك عمن يمسح رأسه بفضل ذراعيه، فقال: لا أحب ذلك. قيل لابن القاسم: فلو مسح بفضل ذراعيه وبفضل لحيته ثم صلى فلم يذكر حتى خرج الوقت، قال: يعيد وإن ذهب الوقت، وليس هذا بمسح.
قال محمد بن رشد: أما مسح الرجل رأسه بفضل ذراعيه فلا يجوز؛ لأنه لا يمكن أن يتعلق بذراعيه من الماء ما يمكنه به المسح ويكفيه له. وليس في قول مالك: لا أحب ذلك- دليل على أنه إن فعله أجزأه؛ لأنه قد يقول لا أحب تجوزا فيما لا يجوز عنده بوجه، فقد كان العلماء يكرهون أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام فيما طريقه الاجتهاد، ويكتفون بأن يقولوا: أكره هذا ولا أحب هذا ولا بأس بهذا وما أشبه هذا من الألفاظ، فيُجتزى بذلك من قولهم ويُكتفى به. وكذلك فضل اللحية إذا لم يتعلق بها من الماء ما فيه كفاية للمسح، وعلى هذا تكلم ابن القاسم في هذه الرواية بدليل قوله: وليس هذا بمسح، وقد اختلف إذا عظمت فكان فيما يتعلق بها من الماء ما فيه كفاية للمسح وفضل بين، فأجاز ابن الماجشون لمن ذكر مسح رأسه وقد بعد عنه الماء أن يمسح بذلك البلل، ومنع مالك من ذلك في المدونة، وهذا الاختلاف جار على اختلافهم في إجازة الوضوء بالماء المستعمل عند الضرورة، فظاهر قول مالك في المدونة أن ذلك لا يجوز مثل المعلوم من قول أصبغ خلاف قول ابن القاسم، وبالله التوفيق.
ومن كتاب أوله تأخير العشاء في الحرس:

.مسألة في الخف يصيبه الروث:

وسئل عن الخفين يلبسهما الرجل فيأتي المسجد فيصيبهما الروث الرطب فيخلعهما فيصلي ثم يخرج يمشي بهما فيكثر ذلك عليه، أترى أن يمسحهما ويصلي بهما؟ قال: إن أصابهما روث رطب فلا يصلي بهما حتى يغسلهما أو يخلعهما. قال ابن القاسم: قد خففه مالك بعد ذلك إذا كان غالبا.
قال محمد بن رشد: هذا المعنى من اختلاف قول مالك متكرر في رسم المحرم والرسم الذي بعده، وزاد في رسم المحرم: وأما العذرة وبول الناس وخرو الكلاب وما أشبهها فلا يجزئ فيها إلا الغسل، وهو كله معنى ما في المدونة، وعند مالك رَحِمَهُ اللَّهُ وجميع أصحابه أن النجاسات كلها لا يطهرها إلا الماء وإن زال العين بغير الماء فالحكم باق؛ لأنه خفف في أحد قوليه أن يمسح الخفين من أرواث الدواب الرطبة وأبوالها ويصلي فيها دون أن يغسل للمشقة التي تلحق الناس في خلعهما أو غسلهما لكثرة تكرر ذلك عليهم كلما أقبلوا أو أدبروا، والطرقات لا تنفك عنها ولا يمكن التوقي منها، فخص الخف بالمسح من أبوال الدواب وأرواثها الطرية لهذه العلة، كما خص المخرج بالمسح بالأحجار لتكرر الأذى عليه ومشقة غسله أبدا كلما تكرر عليه الأذى، وكما جوز لمن يكثر الترداد إلى مكة من الحطابين وغيرهم أن يدخلوها بغير إحرام، ومثل هذا كثير. وقال ابن حبيب: إن النعل والقدم لا يجزئ فيهما المسح؛ إذ لا مؤنة في نزع النعل ولا في غسل القدم، وفي المدونة دليل ضعيف على أن النعل بمنزلة الخف يجزئ فيه المسح من أرواث الدواب وأبوالها، بخلاف الدم والعذرة. وقد أعمله أبو إسحاق التونسي على ضعفه بحكم منه على مساواته بين النعل والخف. قال: إذ قد يحتاج الرجل أن يصلي في نعليه كما يحتاج أن يصلي بخفيه، وإن غسلهما كلما احتاج إلى الصلاة بهما أفسدهما الغسل. ولما قاله أبو إسحاق وجه إذا احتاج إلى الصلاة بهما لشدة حر الأرض أو بردها، وأما إذا لم يحتج إلى ذلك فما قاله ابن حبيب أظهر؛ إذ لا مؤنة في خلعهما. وقد جاء «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلع نعليه في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما انصرف قال لهم: خلعتم نعالكم؟ فقالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا». وفي هذا دليل؛ إذ خلعهما ولم يكتف بمسحهما. والخفاف الذي عندنا والشمشكات تجري مجرى النعال. وأما القدم فقياسه على الخفين في جواز مسحه لمشقة غسله كلما أراد الصلاة أولى من قياسه على النعلين، وإلى هذا ذهب أبو إسحاق فيه، وبالله التوفيق.
واختلف في وجه تفرقته بين أرواث الدواب وأبوالها وبين العذرة والدم وخرو الكلاب وما أشبه ذلك، فقيل: إنما فرق بين ذلك مراعاة للاختلاف في نجاسة أرواث الدواب وأبوالها، وقيل: إنما فرق بين ذلك؛ لأن الطرقات لا تنفك من أرواث الدواب وأبوالها غالبا، وهي تنفك مما سوى ذلك من النجاسات، والأول أظهر والله أعلم وبه التوفيق.

.مسألة في وضوء الجنب إذا أراد النوم:

وسئل مالك عن الرجل تصيبه الجنابة نهارا وهو يريد أن يقيل، أيتوضأ وضوء الصلاة مثل الليل؟ قال: نعم، لا ينام حتى يتوضأ.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في المدونة سواء، وإنما سأله عن نوم النهار؛ لأن السنة إنما جاءت في نوم الليل. ذكر مالك في موطاه عن عبد الله بن عمر أنه قال: ذكر عمر بن الخطاب لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه تصيبه الجنابة من الليل، فقال له رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «توضأ واغسل ذكرك ثم نم»، فقاس مالك رَحِمَهُ اللَّهُ نوم النهار على نوم الليل في ذلك؛ إذ لا فرق بينهما في المعنى، مع أنه ظاهر قول عائشة زوج النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنها كانت تقول: إذا أصاب أحدكم المرأة ثم أراد أن ينام قبل أن يغتسل فلا ينم حتى يتوضأ وضوءه للصلاة فوضوء الجنب قبل أن ينام من السنن التي الأخذ بها فضيلة وتركها إلى غير خطيئة، بدليل ما روي عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أنها قالت: «كان رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ربما نام وهو جنب لهيئته لا يمس ماء»، وإن كان قد قال ابن حبيب: إن محمل ذلك على أنه يتيمم إذ لم يحضره الماء، وقال: إن الوضوء للجنب لازم لا يسع أحدا تركه، وما قلناه هو الظاهر والله أعلم. ومما يدل على التوسعة في ذلك أن ابن عمر كان لا يغسل رجليه في وضوئه له، وقد اختلف في معنى أمره بالوضوء فقيل: إنما أمر بذلك لعله ينشط فيغسل، وقيل: إنما أمر بذلك مخافة أن يتوفى في منامه فيكون على أدنى الطهارتين، والأول أظهر والله أعلم؛ لأن الوضوء لا يرفع حدث الجنابة. ألا ترى أن الحائض لا تؤمر بذلك إذ لا تملك تعجيل طهرها، وهذا بين، وبالله التوفيق.

.مسألة في غسل المستيقظ من النوم يده قبل أن يدخلها في إنائه:

ومن كتاب أوله رجل كتب عليه ذكر حق:
وسئل عن الرجل يستيقظ من النوم فيدخل يده في إنائه، قال: لا بأس بذلك، وإنما مثله في ذلك الجرة تكون في البيت فيستيقظ أهل البيت فيغرفون منها فيدخلون أيديهم فيها فلا يكون بذلك بأس.
قال محمد بن رشد: قوله لا بأس بذلك؛ أي لا بأس بالماء إن فعل ذلك ما لم يعلم بيده نجاسة. ولا ينبغي له إذا استيقظ من نومه أن يدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلها؛ لقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»، فإن فعل ذلك وهو موقن بطهارة يده فالماء طاهر، وإن فعله وهو موقن بنجاستها فالماء نجس على مذهب ابن القاسم يتيمم ويتركه، فإن توضأ به أعاد في الوقت مراعاة للخلاف، وإن فعله وهو لا يعلم طهارة يده من نجاستها فهي محمولة على الطهارة حتى يوقن بنجاستها، وسواء أصبح جنبا أو غير جنب على المشهور في المذهب. وقال ابن حبيب: إن كان بات جنبا أنجس ذلك الماء وهو معنى الحديث، وحكي ذلك عن الحسن البصري. فإن كان الإناء مثل المهراس والغدير الذي لا يقدر على أن يغسل يده منه إلا بإدخالها فيه أدخل يده فيه إن لم يعلم بها دنسا، ولا يأخذ الماء بفيه ليغسلها، إذ ليس ذلك من عمل الناس، قاله في آخر سماع أشهب. وأما إن كانت يده قذرة فلا يدخلها فيه حتى يغسلها، وليحتل في ذلك بأن يأخذ الماء بفيه أو بثوب أو بما يقدر عليه، قاله في سماع موسى بن معاوية الصمادحي بعد هذا من هذا الكتاب، وبالله التوفيق.

.مسألة في المسافرين ينزلون دون المنهل بموضع لا ماء فيه:

وسئل مالك عن قوم كانوا في سفر وليس معهم ماء فأرادوا أن ينزلوا من الليل دون المنهل بثلاثة أميال خوفا إذا أتوا المنهل من الليل أن يذهب بعض متاعهم أو يسرقوا في ظلمة الليل ويتيممون للصلاة إذا أصبحوا، فكره ذلك وقال: لا يعجبني إلا أن يرسلوا أحدا يأتيهم بماء.
قال محمد بن رشد: فإن فعلوا فقد قال ابن عبد الحكم: لا إعادة عليهم، وهو ظاهر الرواية، وقال أصبغ: يعيدون في الوقت، وقال ابن القاسم: يعيدون في الوقت وبعده، وقع هذا الاختلاف في المبسوطة، والقول الأول أظهر والله أعلم؛ لأنهم فعلوا ما يجوز لهم من النزول دون المنهل بثلاثة أميال للعلة التي خافوها من ذهاب متاعهم. والدليل على جواز ذلك لهم «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أقام على التماس عقد عائشة أم المؤمنين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حتى أصبح الناس على غير ماء» فلا وجه لمن قال من الشيوخ: إن الخوف على ذهاب المال لا يمنع من الفرض بخلاف الخوف على النفس، مع السنة الثابتة في هذا. وإذا كان لا يلزمه أن يشتري الماء لغسله ووضوئه بما لا يشبه من الثمن إذا رفعوا عليه فيه، وكان له أن ينتقل إلى التيمم ويحوط ماله من أن يشتري الماء بأكثر من ثمنه على ما قال في المدونة، فأحرى أن يكون له أن ينتقل هاهنا إلى التيمم بالنزول دون المنهل حياطة على ماله خوف السرقة عليه، مع أن طلب الماء لا يلزمه إلا بعد دخول وقت الصلاة؛ لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 6] الآية، وبالله التوفيق.

.مسألة المريض الذي لا يستطيع أن ينهض إلى الماء ولا يجد من يناوله إياه:

ومن كتاب أوله الشريكين يكون لهما مال مسألة وقال مالك في تفسير هذه الآية: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]، أن ذلك في المريض الذي لا يستطيع أن ينهض إلى الماء ولا يجد من يناوله إياه، فإذا كان كذلك يتيمم كما يتيمم المسافر إذا لم يجد الماء.
قال محمد بن رشد: ليس هذا نص التلاوة في الآية، وإنما ساقها على معنى من قدر فيها تقديما وتأخيرا، فأعاد شرط عدم الماء على السفر والمرض، فقال: إن المريض الذي يتيمم هو الذي لا يستطيع أن ينهض إلى الماء ولا يجد من يناوله إياه، فلم يجعل المريض الذي لا يقدر على مس الماء إن كان واجدا له من أهل التيمم، وكذلك الحاضر العادم للماء على قياس هذه الرواية ليس من أهل التيمم. ومن حمل الآية على ظاهرها ولم يقدر فيها تقديما ولا تأخيرا جعلهما جميعا من أهل التيمم، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة؛ لأن تأويل الآية على هذا: وإن كنتم مرضى لا تقدرون على مس الماء ولا تجدون من يناولكم إياه، أو على سفر غير واجدين للماء، فاكتفى بذكر المرض عن ذكر عدم الماء وعدم القدرة على مسه وبذكر السفر عن ذكر عدم الماء لما كان ذلك الأغلب من أحوالهما، وفهم ذلك من مراد الله عز وجل كما فهم من مراده عز وجل {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] أن معنى ذلك: فأفطر {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184]. ولما كان الحاضر واجدا للماء في أغلب الأحوال صرح في الآية بشرط عدمه، فقال: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43]. والتيمم: القصد، والصعيد: وجه الأرض وهو ما صعد منه أي ارتفع، والطيب الطاهر، وبالله التوفيق.

.مسألة السيف يقاتل به الرجل فيكون فيه الدم هل يغسل:

وقال مالك في السيف يقاتل به الرجل في سبيل الله فيكون فيه الدم، هل ترى أن يغسل؟ قال: ليس ذلك على الناس.
قال محمد بن رشد: قال عيسى: وكذلك الذي شأنه الصيد، وهو كما قال؛ لأنه أمر قد مضى الناس على إجازته وتخفيفه. وقد كان أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلون بأسيافهم وفيها الدم ولا يبالون بذلك، ولو كانوا يغسلون أسيافهم في غزواتهم لصلواتهم في عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبعده لنقل ذلك وعرف، والله أعلم وبه التوفيق.

.مسألة لبس الخاتم فيه ذكر الله أيلبس في الشمال وهو يستنجى به:

قال: وسألت مالكا عن لبس الخاتم فيه ذكر الله، أيلبس في الشمال وهو يستنجى به؟ قال مالك: أرجو أن يكون خفيفا.
قال محمد بن رشد: قوله: أرجو أن يكون خفيفا- يدل على أنه عنده مكروه وأن نزعه أحسن، وكذلك قال فيما يأتي في هذا السماع في رسم مساجد القبائل، وفي رسم الوضوء والجهاد من سماع أشهب، ومثله لابن حبيب في الواضحة. ووجه الكراهية في ذلك بينة؛ لأن ما كتب فيه اسم الله تعالى فمن الحق أن يجعل له حرمته. وقد قال مالك رَحِمَهُ اللَّهُ في كتاب التجارة إلى أرض الحرب من المدونة: إني لأعظم أن يعمد إلى دراهم فيها ذكر الله وكتابه فيعطاها نجسا، وأعظم ذلك إعظاما شديدا وكرهه. وقول ابن القاسم في رسم مساجد القبائل: وأنا أستنجي بخاتمي وفيه ذكر الله- ليس بحسن من فعله، ويحتمل أن يكون إنما يفعله؛ لأن الخاتم قد عض بإصبعه، فيشق عليه تحويله إلى اليد الأخرى كلما دخل الخلاء واحتاج إلى الاستنجاء فيكون إنما تسامح في ذلك لهذا المعنى، فهو أشبه بورعه وفضله، والله أعلم وبه التوفيق.

.مسألة المرأة ترى الدم عند وضوئها فإذا قامت ذهب ذلك عنها:

وسئل عن المرأة ترى الدم عند وضوئها، فإذا قامت ذهب ذلك عنها. قال مالك: أرى ألا تترك الصلاة إلا أن ترى دما تنكره، ولتشد ذلك بشيء.
قال محمد بن رشد: وقعت هذه المسألة أيضا في رسم يوصي من سماع عيسى، وزاد فيها من قول مالك: وليس عليها غسل، وهو تفسير لهذه الرواية. ووجه ذلك أن الدم لما كان يتكرر عليها عند كل وضوء دون سائر الأوقات لم يجعل ذلك حيضا، ورآها مستنكحة بذلك من الشيطان، فأمرها بالصلاة ولم ير عليها غسلا، كما فعل عبد الله بن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في المرأة التي استفتته في نحو هذا، ذكره مالك في كتاب الحج من الموطأ، عن أبي الزبير المكي، أن أبا عامر الأسلمي عبد الله بن سفيان أخبره أنه كان جالسا مع عبد الله بن عمر، فجاءته امرأة تستفتيه فقالت: إني أقبلت أريد أن أطوف بالبيت، حتى إذا كنت عند باب المسجد هرقت الدماء، فرجعت حتى ذهب ذلك عني ثم أقبلت حتى إذا كنت عند باب المسجد هرقت الدماء فرجعت حتى ذهب ذلك عني، ثم أقبلت حتى إذا كنت عند باب المسجد هرقت الدماء، فقال عبد الله بن عمر: إنما ذلك ركضة من الشيطان فاغتسلي ثم استتري بثوب ثم طوفي. وقد قال ابن أبي زيد: معنى ما أراد مالك أنها تغتسل منه وإن تمادى عند كل وضوء حتى تجاوز أيامها والاستظهار، ثم هي مستحاضة. ومالك أولى بتبيين ما أراد، وقد بينه في رسم يوصي من سماع عيسى على ما ذكرناه وبينا هناك وجهه ومعناه.

.مسألة الرجل يكون في السفر فيريد الصلاة والماء قريب منه ولكن يخشى السباع:

وسئل مالك عن الرجل يكون في السفر فتحضره الصلاة والماء منه على ميل ونصف ميل، فيريد أن يذهب إليه وهو يتخوف عناء ذلك أو يتخوف منه أن ينفرد إما من سلابة وإما من السباع، قال: لا أرى عليه أن يذهب إليه وهو يتخوف.
قال محمد بن رشد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وسواء تخوف على نفسه أو على ماله دون نفسه ليس عليه أن يذهب وهو يتخوف على شيء من ذلك على ما صححناه في مسألة رسم كتب عليه ذكر حق قبل هذا. ودليل هذه الرواية أنه إن لم يتخوف شيئا فعليه أن يذهب إليه على الميل والنصف ميل. وفي النوادر إن كانت عليه في ذلك مشقة فليتيمم.
قال محمد بن رشد: وذلك على قدر ما يجد من الجلد والقوة، وذلك مفسر في رسم البز بعد هذا. وأما الميلان فهو كثير ليس عليه في سفر ولا حضر أن يعدل عن طريقه ميلين؛ لأن ذلك مما يشق، قاله سحنون في نوازله من هذا الكتاب، وبالله التوفيق.
ومن كتاب أوله اغتسل على غير نية:

.مسألة الرجل يسلس بوله فلا ينقطع عنه:

وقال مالك في الرجل يسلس بوله فلا ينقطع عنه، قال: أرى أن يتوضأ لكل صلاة، ولو كان الشتاء واشتد عليه الوضوء ثم فرق بين الصلاتين لم أر بذلك بأسا.
قال محمد بن رشد: حكى عبد الحق عن بعض البغداديين أن الذي يسلس بوله أو مذيه من إبردة، إنما يستحب له الوضوء لكل صلاة إذا كان ينقطع المذي أو البول ثم يعود. وأما إن لم ينقطع ذلك البتة فلا معنى لاستحباب الوضوء لكل صلاة، وهو معنى صحيح ينبغي أن يحمل على التفسير لجميع الروايات، فنقول: إن معنى قوله في هذه الرواية فلا ينقطع عنه؛ أي لا يكاد ينقطع، لا أنه يسيل أبدا لا ينقطع، وهذا جائز أن يسمى الشيء باسم ما قرب منه، ومنه قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه». وقد اختلف إن صلى صلاتين بوضوء واحد من غير ضرورة ولا مشقة تلحقه، فقيل: يعيد الأخرى في الوقت، وقيل: لا إعادة عليه، حكى ابن المواز القولين جميعا عن مالك في المستحاضة، وهذا مثله؛ لأنه ساوى بينهما على ظاهر قوله في المدونة، وكذلك قال ابن المواز وإن ذلك كالذي يسلس منه البول. وقد يحتمل أن يفرق بينهما للاختلاف في المستحاضة، فقد قيل: عليها الغسل لكل صلاة، وقيل: عليها أن تغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا، وللمغرب والعشاء غسلا واحدا، وللصبح غسلا واحدا. وقيل: إنها تغتسل من ظهر إلى ظهر. وذهب مالك إلى أنها تغتسل غسلا واحدا وتتوضأ لكل صلاة، وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يمرض فتغمز امرأته رجليه ورأسه:

وسئل مالك عن الرجل يمرض فتغمز امرأته رجليه ورأسه، قال: لا ينقض ذلك وضوءها، والرجل مثل ذلك لامرأته، وإنما ينقض الوضوء ما كان من ذلك للذة. فأما الرجل تناوله امرأته الشيء أو يناولها، فتمسه أو يمسها فليس عليه شيء، وإنما الذي عليه من ذلك الذي هو للذة. وقال مالك في الجسة من فوق الثوب أو من تحته إذا كان على وجه اللذة فأرى عليه الوضوء. وقال سحنون: كان علي بن زياد يروي إن كانت الجسة من فوق ثوب كثيف لا يصل بجسه إلى جسدها فلا شيء عليه. وإن كان ثوبا خفيفا يصل في جسه إلى جسدها فحينئذ يكون عليه الوضوء.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أن اللمس مع القصد إلى الالتذاذ يوجب الوضوء وإن لم يلتذ، وهو ظاهر ما في المدونة أيضا، ونص رواية عيسى عن ابن القاسم في رسم أوصى من هذا الكتاب خلاف ما في سماع أشهب، وسواء كانت الملامسة من فوق الثوب أو من تحته، إلا أن يكون الثوب كثيفا على ما في رواية علي بن زياد؛ لأنها تحمل على التفسير. وتحصيل هذه المسألة أن من التذ باللمس فلا خلاف في أن الوضوء واجب عليه سواء قصد إلى الالتذاذ به أو لم يقصد. واختلف إذا قصد الالتذاذ به فلم يلتذ على قولين، وأما إن لم يقصد الالتذاذ بذلك ولا التذ به فلا خلاف في أنه لا وضوء عليه، وبالله التوفيق.

.مسألة ليس على المرأة أن تقوم قبل الفجر فتنظر في طهرها:

قال مالك: ليس على المرأة أن تقوم قبل الفجر فتنظر في طهرها، وليس هذا من عمل الناس، ولم يكن للناس ذلك الزمان مصابيح.
قال محمد بن رشد: كان القياس أن يجب عليها أن تنظر قبل الفجر بقدر ما يمكنها إن رأت الطهر أن تغتسل وتصلي المغرب والعشاء قبل طلوع الفجر؛ إذ لا اختلاف في أن الصلاة تتعين في آخر الوقت على من لم يصلها في سعة من الوقت، فسقط ذلك عنها في الاتساع ومن ناحية المشقة التي تدركها في القيام من الليل، فخفف ذلك عنها بأن تنظر عند إرادة النوم، فإن استيقظت عند الفجر وهي طاهر فلم تدر لعل طهرها كان من الليل حملت في الصلاة على ما نامت عليه ولم يجب عليها قضاء صلاة الليل حتى توقن أنها طهرت من قبل الفجر، وأمرت في رمضان بصيام ذلك اليوم وأن تقضيه احتياطا. فيجب على المرأة أن تنظر عند النوم للعلة التي ذكرنا، وعند أوقات الصلوات، ويجب ذلك عليها في أوائلها وجوبا موسعا، ويتعين في آخرها بقدر ما يمكنها أن تغتسل وتصلي قبل خروج الوقت. والأصل في هذه المسألة قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 6] الآية. لأنها دالة على أن التأهب لها بالغسل والوضوء لا يجب إلا عند إرادة فعلها بدخول وقتها، وهو بين، وبالله التوفيق.

.مسألة يخرج من منزله وهو على غير يريد منزلا آخر فتغرب عليه الشمس:

وسئل عن رجل خرج من منزله وهو على غير وضوء وهو يريد منزلا آخر قريبا منه، وهو يرى أنه سيأتيه قبل غروب الشمس، فغربت عليه وبينه وبين الموضع الذي كان يريده ميل أو ميلان، قال: لا يصلي حتى ينتهي إلى موضعه الذي يريد فيتوضأ ويصلي.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن الميل أو الميلين يأتي عليهما قبل مغيب الشفق، ولو كان لا يدرك الماء قبل مغيب الشفق لوجب عليه أن يتيمم ويصلي كما قال في المدونة، ولا اختلاف في هذه المسألة؛ لأنه مسافر وإن كان سفرا قريبا لا تقصر فيه الصلاة. وقيل: إنها جارية على الاختلاف في الحاضر العادم للماء هل هو من أهل التيمم أم لا؟ على اختلافهم في آية التيمم هل تحمل على ظاهرها أو يقدر فيها تقديم وتأخير على ما تقدم القول عليه في رسم الشريكين؟ وبالله التوفيق.

.مسألة الرجل يفضي بيده إلى فرجه ليس بينهما حجاب هل ينقض الوضوء:

قال سحنون: حدثني ابن القاسم عن مالك عن يزيد عن عبد المالك بن المغيرة، عن سعيد بن أبي سعيد القبري، عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من أفضى بيده إلى فرجه ليس بينهما حجاب فقد وجب عليه الوضوء للصلاة».
قال محمد بن رشد: قد روي هذا المعنى عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ من وجوه كثيرة، وروي عن طلق بن علي أنه قال: «قدمنا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجاءه رجل كأنه بدوي، فقال: يا رسول الله، هل ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ فقال: وهل هو إلا بضعة منك». فمن أهل العلم من أوجب الوضوء من مس الذكر، ومنهم من لم يوجبه، ومنهم من فرق بين العمد والنسيان، فاستعمل الآثار الواردة في ذلك ولم يطرح منها شيئا. والأقوال الثلاثة قائمة في المذهب لمالك. روى أشهب عنه في هذا الكتاب أنه قال: من مس ذكره انتقض وضوءه، فظاهره في العمد والسهو. وروي عنه في كتاب الصلاة أنه سئل عن مس الذكر، فقال: لا أوجبه وأبى، فروجع في ذلك فقال: يعيد ما كان في الوقت وإلا فلا، فظاهره أيضا في العمد والسهو. وروى ابن وهب عنه في سماع سحنون من هذا الكتاب القول الثالث: أنه لا إعادة عليه إلا أن يمسه عامدا. وإلى هذا يرجع ما في المدونة على تأويل بعض الناس، وقد تأول ما فيها على الظاهر من التفرقة بين باطن الكف وظاهره من غير اعتبار بقصد ولا وجود لذة، وهذا كله إذا مسه على غير حائل. واختلف قوله: إن مسه على حائل خفيف على قولين، أحدهما: أنه لا وضوء عليه، وهو قول مالك في رواية ابن وهب عنه في سماع سحنون من هذا الكتاب اتباعا لظاهر هذا الحديث، والثاني: أن عليه الوضوء، وهو قوله في رواية علي بن زياد عن مالك. وأما إن كان الحائل كثيفا فلا وضوء عليه قولا واحدا، وبالله التوفيق.